سيد محمد طنطاوي

518

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

« من تراب » . أي : خلق أباك الأول من تراب ، كما قال : سبحانه إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّه كَمَثَلِ آدَمَ ، خَلَقَه مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَه كُنْ فَيَكُونُ « 1 » . * ( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) * أي : خلق أباك آدم من تراب ، ثم أوجدك أنت من نطفة عن طريق التناسل والمباشرة بين الذكر والأنثى . * ( ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ) * أي : ثم صيرك إنسانا كاملا ، ذا صورة جميلة ، وهيئة حسنة . كما قال - سبحانه - : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . والاستفهام في قوله : * ( أَكَفَرْتَ . . ) * للإنكار والاستبعاد ، لأن خلق اللَّه - تعالى - له من تراب ثم نطفة ، ثم تسويته إياه رجلا ، يقتضى منه الإيمان بهذا الخالق العظيم ، وإخلاص العبادة له ، وشكره على نعمائه . قالوا : ولا يستلزم قول صاحب الجنتين قبل ذلك : * ( ولَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ) * . أنه كان مؤمنا ، لأنه قال ذلك على سبيل الفرض والتقدير ، لا على سبيل الاعتقاد واليقين ، بدليل تردده في إمكان قيام الساعة ، ولأن اعترافه بوجود اللَّه - تعالى - لا يستلزم الإيمان الحق ، فالكفار كانوا يعترفون بأن اللَّه - تعالى - هو الخالق للسموات والأرض ، ومع هذا يشركون معه في العبادة آلهة أخرى . وجاء التعبير بحرف « ثم » في الآية ، للإشارة إلى أطوار خلق الإنسان التي فصلها - سبحانه - في آيات أخرى ، منها قوله - تعالى - : ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْناه نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ، ثُمَّ أَنْشَأْناه خَلْقاً آخَرَ ، فَتَبارَكَ اللَّه أَحْسَنُ الْخالِقِينَ « 2 » . ثم يعلن الرجل الصالح موقفه بشجاعة ووضوح ، فيقول لصاحبه صاحب الجنتين : * ( لكِنَّا هُوَ اللَّه رَبِّي ، ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ) * . أي : إن كنت أنت يا هذا قد كفرت باللَّه الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ، فإني لست بكافر ، ولكني أنا مؤمن ، أعترف له بالعبادة والطاعة وأقول : هو اللَّه -

--> ( 1 ) سورة آل عمران الآية 58 . ( 2 ) سورة المؤمنون الآيات من 13 - 14 .